مقال الجمعة: لو كان الله موجوداً… فهو موجوداً فيك أنت

الله هو تلك الشخصية المحورية التي تتمحور حولها كل القصص الدينية في كل الأديان الابراهيمية الاساسية العشرة مثل اليهوديةوالمسيحية والإسلام والمندائية والبهائية والدرزية وغيرها الكثير من الاديان. فهو الخالق وهو المبدع وهو العظيم وهو البداية وهو النهاية والى آخرهِ من الاوصاف العديدة التي تعودنا على وصف الله بها أو وصف الله بها نفسهِ. وهذه هي المشكلة. ان طريقة معرفتنا بالله تكمن في اعطائه مجموعة من الاوصاف القصوى والخارقة ثم نفترض وجود شخصية رئيسية وراء هذه الاوصاف. فينتهي الامر بنا اننا ندرك الاوصاف بشكل ما ولو بدرجات متفاوتة بناء على قدراتنا العقلية لكننا لا ندرك الموصوف الذي تتعلق بهِ الاوصاف. على الرغم من أننا حتى وقت قريب كنا نعتقد ان الاوصاف هي جزء من الموصوف، لكن في الحقيقة، لو راجعنا هذه الاوصاف بدقة سنرى بأنها فقط وظائف أو أفعال أو صفات تمجيد للموصوف فقط ليس إلا… وليس الموصوف في حد ذاتهِ.

 

لنأخذ على سبيل المثال توصيف الله بصفة الخالق. الخالق هو توصيف لتلك الشخصية التي قامت بفعل الخلق. تماماً كما أن الصباغ هي توصيف لتلك المهنة التي يقوم بها الصباغ عندما يقوم بفعل الصبغ، لكنها لا تقول لنا شيء عن شخصية الصباغ في حد ذاته. ولا تستطيع أن تعرف الصباغ كشخص انطلاقاً من توصيفهُ بانهُ الصباغ فقط. لأن كل من يقوم بفعل الصبغ في لحظة من اللحظات يمكن على الأقل وصفهُ بالصباغ في تلك اللحظة التي يقوم فيها بالصبغ. لكن من هو الصباغ؟ ومن أو ما هو الخالق في حد ذاتهِ دون هذا الوصف؟ نفس الشيء ينطبق على الكثير من الأسماء التي ننعت بها ذلك الشيء الذي ندعوه الله أو تعودنا على سماعها، فهي توصيف لشخصية كامنة خلف هذا الوصف، وليس الذات الموصوفة. فماهي تلك الذات الموصوفة؟ هل هي كيان شخصاني عاقل ذو إرادة ورغبات وقاطن في مكان ماء في الكون، أم هي أو هو في حد ذاتهِ صفة من صفات الكون أو قوانينه غير العاقلة مثل الجاذبية ونحن بقدراتنا البشرية المحدودة قمنا بشخصية هذا الشيء واعطيناه رغبات وصفات كما نفعل مع كل الأشياء التي لا نفهمها.

 

أحد الأشياء الرائعة التي نكتشفها عندما نصبح آباء وأمهات هي قدرتنا على مراقبة مراحل تطور الأطفال عن كثب وكيف أنهم يوم بعد يوم وخطوة بعد خطوة تتشكل عقولهم لتصبح الانسان الذي يشبهنا بشكل ما. هذه النعمة التي نعمت بها عندما أصبحت أباً لطفلين. حيث تستطيع أن تتابع كيف الطفل ينجح وخلال بضعة سنين من حياة الطفل الأولى أن يتخطى ملايين من السنين التطورية. حيث ترى الطفل يلد بغريزة بقاء هائلة حيث يصرخ بقوة عندما يجوع ويمتلك قدرة مص حلمة ثدي أمهُ ليرضع منذ أول لحظة يلد فيها. فتتخيل لا إرادياً كل الأطفال وخلال الملايين من السنين الذين ولدوا دون هذه الغرائز وماذا حصل لهم. بعدها يتعلم الطفل الحبو ثم المشي ببطء ثم الركض والكلام والتواصل مع المحيطين بهِ. كل هذه القدرات الهائلة لم تنشأ فجأة… بل نشأت خلال معاناة طويلة امتدت لملايين وملايين من السنين وتحت هذه الملايين من السنين انقرضت أصناف عديدة افتقدت لتلك القدرات التي نراها بسيطة ونجحت أصناف جديدة اكتسبت هذه القدرات وورثتها للأجيال بعدها التي طورتها وشذبتها. أحد هذه القدرات المهمة التي عززت بقاء جنسنا البشري هي تلك القدرة الفريدة (الخاطئة) على شخصنة الأشياء غير الحية، واعطائها رغبات، وإرادة، وغاية. لماذا؟ هناك الكثير من التفسيرات والفرضيات، لكنني أجد أن تفسير الخوف من أجل الحفاظ على البقاء هو أكثر التفسيرات أقناعاً.

 

لنفترض أنهُ كان هناك طفلان يلعبان على مشارف الغابة التي أجدادي وأجدادك نشأوا فيها. أحد هذه الطفلين شجاع جداً وعملي جداً ولا يرى سبباً للخوف من الظلام الكامن في الغابة. الطفل الثاني، شجاع كذلك وأستطاع القدوم الطريق كلهُ حتى وصل أطراف الغابة. لكنهُ، يرى في الظلام المُخيم على الغابة خطر مُحدق لسبب لا يعرف بالضبط ما هو. فجأة عندما يسمع صوت حفيف أوراق الاشجار، يعتقد أنها أصوات لأرواح شريرة ستؤذيه لو دخل تلك الغابة المسحورة. الطفل الثاني يسخر منه ومن خياله الواسع ويقول لهُ بأنهُ ليس هناك أرواح شريرة، بل هذا فقط صوت حفيف الأشجار. الطفل الأول يرى في شجرة البلوط العتيقة العملاقة وجه وحش مليء بالخدوش والتجاعيد. الطفل الثاني يسخر منهُ، حيث لا يرى في شجرة البلوط الا شجرة البلوط. الطفل الأول اختار العودة الى القرية (أو الشجرة) التي كان جميع اهلهُ واقاربهُ يألفوها. الطفل الثاني قرر الاستمرار واكتشاف الغابة العميقة. بمرور الايام، فأن الوقت الذي أستغرقهُ الطفل الثاني في تجوله واكتشافاتهُ عرضتهُ لمخاطر أكبر من الطفل الأول الذي عاد آمناً ما بين أقرانه. ارتفاع درجة الخطر يعني أن أحدهما كان أكثر عرضة لأن يكون فريسة سهلة للمخاطر التي لا يعرفها في الأماكن التي كان يحاول اكتشافها، مقارنة بالأفراد الذين اختاروا البقاء في أمان المألوف. الخائف، كان أكثر نجاحاً في نقل جيناتهُ (الخائفة) لأنه بكل بساطة أستطاع البقاء على قيد الحياة أكثر من الشخص الثاني (الشجاع الذي كان يكتشف المجهول). ونحن اليوم، أبناء لتلك القرود الخائفة التي بفضل أقلية منها استطاعت (فضولاً أو اضطراراً) اكتشاف وسبر أغوار الغابات في كل بقاع العالم لكن في نفس الوقت فأن الأغلبية منا وحتى اليوم لا ولم تذهب للمكان الجديد الا حين نتأكد بأنهُ آمناً ومُستقراً ومُكتشفاً من قبل.

 

ما اريد أن أقولهُ من المثال أعلاه، أن غريزة خاطئة مثل أكساء الأشياء غير الحية بالحياة (كالاعتقاد بأن الشجرة وحشاً أو أن للقمر وجهاً أو بأن النجوم تحكي لنا عن المُستقبل) حافظ على سلامة جنسناً من الاخطار الحقيقة الكامنة في المجهول. وهذا المجهول الكامن في الكون ومسار الكون ورغبتنا الغامضة في محاولة فهم الكون، دفعتنا غريزياً للاعتقاد بوجود رغبات وغايات للكون، هذه الغايات والرغبات في غالبها لا تتفوق عن رغبات الانسان الأول فقط وتطلعاته وطموحاته. فالله كما تصوره الأديان الابراهيمية قاطبة ليس سوى انعكساً دقيقاً لرغباتنا الدفينة في الحياة المتفوقة على تلك الحياة الناقصة والبائسة والقصيرة التي نعيشها. فهو حي لا يموت لأننا بكل بساطة نعيش لفترة قصيرة مليئة بالبؤس والارهاق والكد ثم تداهمنا السنين، ثم الامراض، ثم الموت المحتم. وهو الرزاق لأننا خلال حياة البشرية كلها ومنذ أن كنا خلية أحادية على أطراف المحيط كنا ولا زلنا نعاني من نقص الموارد التي تكفينا وعلينا أن نصارع كل يوم للحصول على المزيد كي نعيش يوماً آخر. وهو الجبار، لأننا نعاني من الضعف والهشاشة أمام كل المخاطر المحدقة بينا كل لحظة من لحظات حياتنا. وهو العدل، لأننا نعيش حياة مليئة بالظلم والقسوة، ليس فقط ممن يحيطنا من البشر. بل من كل شيء محيط بنا ابتداء من الفيروسات وحتى الاشعاع الكوني الذي ممكن أن يقتلنا. وهلم جراً على كل الصفات والالقاب والاسماء التي حاولنا من خلالها خلق هذا الكائن الخارق (السوبرمان الكوني) الذي لا تدركهُ العقول ولا الأنظار.

 

ربما هذا تبسيط أكثر من اللازم لفكرة الله، لكنني، من أنا لأدعي هنا بأنني أعرف بالضبط كيف نشأت فكرة الله ومن أين جاءت وكيف تحول هذا الهاجس والخوف من الخطر المحدث بنا الى كيان شخصاني يشغل بال الملايين ليل نهار في كل اصقاع الكرة الارضية؟ لكنني هنا أُحاول ولو بشكل متواضع شرح فكرة من أين جاء اعتقادنا بأن الله شخص يمتلك رغبات وقناعات ويريد منا أن نمارس بعض الأفعال والاعمال المحددة كي يرضى علينا مثل السجود والركوع والنهوض والوقوف باتجاه معين أو تقديس مكان معين. خاصة تلك الأفعال العبثية مثل المكافئة المؤجلة عن الجنة والتي تبدو وبشكل واضح انها انعكاس بحت لرغبات الانسان القديم بالوفرة والتكاثر والسلطان. لكن… وهنا أستوقف ذاتي مرة أخرى كي لا تنخدع ذاتي باستخراج فرضيات مستعجلة غير حقيقية. من أين جاء وما هو ذلك الصوت الذي يهمس في عقولنا عندما نهم بفعل شيء ما بأن هذا الشيء خاطئ؟ هل هو الله؟

 

 

بسام البغدادي

 

هل لديك رأي آخر؟ شاركني بهِ لطفاً