السؤآل الثاني: هل الالحاد دين جديد؟

هل الالحاد دين جديد؟

هذا السؤال يتكرر كثيراً لأسباب بعضها مفهومة سأقوم بشرحها ادناه. لكن قبل أن أشرحها، أود توضيح نقطة مهمة يجب التنويه لها. الغاية الأساسية التي تدفعني لشرح فكرة مثل الالحاد، ليس لانني أدعو اليه أو أتمنى أن يصبح الناس مُلحدين بل ما أتمناه بامانة هو أن يختار الناس معتقداتهم بكل حرية. وغايتي الاساسية تكمن في رغبة صادقة مني بنشر العلم والمعرفة بين الناس من حولي. وأرى، أن الأفكار الفلسفية مثل الالحاد او اللاأدرية أو الوجودية وهي أفكار هائلة لو تعمقنا بها وتستحق التعرف عليها والنهل منها. وهي يا للأسف أكثر الأفكار التي تم تشويهها على مر العصور في أغلب البلدان المنغلقة التي نشأنا فيها. لذلك، محاولتي هنا هي محاولة صادقة لإزاحة غبار قرون من الزمان على هذه الأفكار كي يتذوقها القارئ العربي بنكهة عربية جديدة خالية من التخويف والتهويل والتشويش.

العمى الديني

فهل الالحاد دين جديد مثل بقية الأديان كالإسلام والهندوسية والمسيحية والآزيدية واليهودية ولهُ أتباع ولهُ تقاليد وعادات وطقوس؟ الجواب القصير لهذا السؤال هو بالطبع لا. لكنني متأكد أنك هنا لست بحثاً عن أجوبة قصيرة. لذلك سأشرح لك الموضوع عن سبب هذا السؤال الغريب.  هناك بالطبع عدة أسباب لا يمكنني حصرها جميعاً لكن السبب الرئيسي الذي يجعل السائل يطرح هذا السؤال هو ما أسميه بالعمى الديني. العمى الديني هو عجز الانسان الذي ينتمي الى طائفة أو دين أو قبيلة ما عن رؤية الآخرين دون أن يلونهم أو يقولبهم في قالب محدد كي يسهل عليه فهم وتحديد طريقة تعاملهُ مع هذا الفرد انطلاقاً من المذهب الديني الذي هو عليه. فإذا كنت مسلماً أو هندوسياً مثلاً فأن هناك تعليمات محددة في كتابك المُقدس تحدد لك ماهي علاقتك مع هذا الانسان الذي يدعي انه ينتمي الى دين آخر. بل الغالبية العظمى من المُسلمين والمسيحيين والهندوس واليهود لديهم منظومة فكرية شبه متكاملة لكيفية الحوار ومناظرة ذوي الأديان الأخرى والاجابة على (شبهاتهم). لذلك، عندما يحدد الانسان الذي امامك أنهُ ينتمي للطائفة س وأنت تنتمي للطائفة ص فكل ما عليك فعلهُ هو استدعاء المنظومة الفكرية التي تدربت عليها منذ طفولتك حول طريقة الحوار مع اتباع الطائفة س وكيفية دعوتهم لاعتناق دين الطائفة ص.

لكن، عندما يأتيك مُلحد يقول بأنهُ لا ينتمي للطائفة س ولا للطائفة ص ولا كل الحروف الابجدية الأخرى في قاموس لغتك، ماذا تفعل؟ عندما يأتي شخص ويقول بأنهُ لا ينتمي لأي طائفة دينية، ولنفترض بأنك مُسلم مثلاً، فلا تستطيع اتهامهُ بأنهُ يعبد الصليب ولا تستطيع أن تسألهُ عن عبادة البقر، ولا النار ولا تحريف الانجيل والتوراة ولا أي شيء من ترسانتك اللغوية التي تدربت عليها منذ طفولتك. فماذا تفعل؟ تُحاول إيجاد طائفة في تراثك مشابهة أو قريبة لبعض الأشياء التي يتحدث عنها المُلحد، المُعتزلة مثلاً، فتُسرع للادعاء بأن الالحاد هو كذلك دين مثل بقية الأديان أو على الأقل طائفة من الطوائف. لكن، هل الالحاد هو طائفة شبيهة بالمُعتزلة حقاً؟

هل كان المُعتزلة ملحدون؟

لمن لا يعرف، فالمُعتزلة فرقة فكرية ظهرت في القرن السابع الميلادي (بداية ظهور الإسلام) في مدينة البصرة وكانت تعرف بجماعة العدل والتوحيد. اتهموا بالإلحاد لأنهم قاموا بتقديم العقل على النقل وقالوا بأن الأحاديث التي تُنسب لنبي الإسلام والذي صار أسمهُ وقتها محمد ممكن أن تكون منقولة بصورة خاطئة لذلك يجب إعمال العقل قبل التصديق بها. لمن يقرأ تأريخ المُعتزلة يفهم بأنهم ما كانوا ولم يكونوا مُلحدين. أقرب ما يمكن أن يتم تشبيههُ بهم اليوم هو ما يُعرف بالمُسلم المعتدل، الذي لا يؤمن بالعنف ويهرب من البلدان الإسلامية التي تطبق الشريعة الإسلامية مثل افغانستان وايران والسعودية. ربما القرآنيون الذين يرفضون الحديث قلباً وقالباً اليوم هم الورثاء الشرعيين لفرقة المُعتزلة. لكن، لا أحد يستطيع اليوم أن يقول عن المُسلم المعتدل أو اللاجئين الهاربين من أتون البلدان الإسلامية ولا طبعاً القرآنين بأنهم مُلحدين. مع ذلك، يتم وصف المُعتزلة بالملحدين، لأسباب سياسية ودينية وقتها، ويتم تشبيه الملحدين اليوم بالمعتزلة لأسباب اراها ليست سوى كسل فكري مترسخ في منظومتنا الفكرية. كسل ثقافي في تفهم إمكانية وجود مجموعة من البشر مُختلفة عنا ولا تؤمن بما نؤمن بهِ  أو أي شيء آخر كنا قد سمعنا عنه في الأديان الأخرى.

الالحاد يشبه التوقف عن ممارسة الرياضة لكنهُ ليس رياضة في حد ذاتها

لو اخذنا مثالاً بسيطاً عن الاختلاف بين الانتماء لأحد الأديان والإلحاد، فأن مثال المُدخن الذي أقلع عن التدخين كالمُلحد الذي أقلع عن الدين يبدو في متناول اليد، لكنني لن استعلمهُ هنا لانهُ قد يفهم من القارئ المُتدين بأنهُ اتهام للاديان بانها نوع من انواع الادمان وبأن المتدين في هذه الحالة مدمن على دينه. لا أعرف كم هذا المثال دقيقاً لكنني ساستعيض عنه بمثال أكثر إيجابية كي لايساء فهمي. فالانتماء لدين معين يشبه مُمارسة نوع من أنواع الرياضة. فأنت تمارس هذا النوع أو ذاك من الرياضة لاسباب مُختلفة. ربما انت تعشق كرة القدم، وتحب ممارستها. او كنت معجباً بمُصارع قديم وعندما كبرت اخترت ممارسة رياضة المُصارعة… وهلم جراً.  مهما كان نوع الرياضة التي تمارسها فهي رياضة مقبولة اجتماعياً وعلى الاغلب تعرف شخص في محيطك يمارسها وتم تشجيعك على مزاولتها. وممارسة هذا النوع من الرياضة يعطيك ذلك الشعور الرائع بالاسترخاء والمُتعة كلما أنتهيت من تمرين أو مُسابقة. في المُقابل فأنت على الدين الذي أنت عليه الآن ليس لأنك أخترت هذا الدين بالذات دون كل الأديان الأخرى، بل فقط ولدت على هذا الدين. وأستطيع أن أجزم أنك على ذات الدين الذي يدين بهِ أباك وأمك. وشعورك اللذيذ بالاسترخاء والرضى عن النفس لممارسة طقوسك الدينية لهُ أسباب اجتماعية ونفسية بحتة. ولذات الاسباب الاجتماعية والنفسية (والتطورية) من السهل الاعتقاد بالأشياء التي يعتقد بها كل من حولك. والتوقف عن ممارسة التدين ليس بالشيء الهين. فأنت طوال طفولتك تم صبغك بصبغة فكرية محددة قضيت غالباً كل سنين مراهقتك (وربما شبابك) في الدفاع عنها والاعتقاد بأنها الحق الاوحد وكل ما سواها باطل. أتفهم موقفك جداً فأنا مررت تماماً بنفس ما تمر بهِ الآن. بشكل ما، تم أقناعنا اثناء طفولتنا المُبكرة بأن الدين هو جزء لا يتجزأ من شخصيتنا بل وحياتنا كبشر. فكيف نتنازل عن حياتنا؟ وعندما نُدرك أو يكشف لنا أحدهم هذه الخدعة التي تعرضنا لها جميعاً (بنية صادقة) فنحنُ على الغالب نتصرف تماماً كما سيتصرف أي شخص في موقعنا. أولاً نُنكر أننا تعرضنا لهذه الخدعة وندعي بأننا قمنا باختيار ديننا (ذاتهُ الذي ولدنا عليه) بعد دراسة عميقة وتمحيص دقيق للدين. في الحقيقة، كل ما قمنا بهِ هو البحث عما يزيد من قناعتنا وينزع شكوكنا في أن ديننا هو الحق ويقوي إيماننا بما نريد أن نؤمن بهِ مُسبقاً. ثم تمر الايام ونقوم بالاطلاع على أقرب الأديان الموجودة في محيطنا، كالمسيحية أواليهودية مثلاً، ونُحاول منطقتها وربما الايمان بها أو بأنها على الاقل مُقدسة بشكل ما. في النهاية، وبعد مدة من الزمن قد تختلف من شخص لآخر، نُدرك أن كل الأيديولوجيات بشكل عام والأديان بشكل خاص ليست سوى قوالب فكرية تم طلاؤنا بها كي نُصبح دمى بشرية من السهل التحكم بها. ربما يختار بعضنا أن يُصبح إنساناً لادينيا… أو ربما لاأدرياً أو مُلحداً. وهناك فرق بينهم طبعاً رغم تداخل بعض المواقف الفكرية. لكن، المُهم أن الخيار يبقى خيارنا.

ما يجمعنا نحن جميعاً الملحدين والمؤمنين

المُلحد في المثال أعلاه يشبه الشخص الذي توقف عن مُمارسة الرياضة. وعدم مُمارسة الرياضة ليس نوعاً من أنواع الرياضة مطلقاً. فهو (المُلحد) لا ينتمي لأي توجه ديني محدد ولا أي دين ولا أي طائفة دينية. المُتدين الذي عاش حياتهُ كلها يرى الناس مطلية بألوان محددة، يجد صعوبة في أن يرى إنساناً دون لون محدد. الشيء الذي يشوش المتدين بعض الأحيان هو استخدام بعض المُلحدين وبشكل غير مُتسق لعبارات دينية أو اقتباس عبارات حكيمة لشخصيات دينية محددة يملك المُتدين تجاهها عواطف محددة أو تخدم فكرة يريد ايصالها. مما قد يوحي بشكل خاطئ بأن هذا المُلحد (أو الملحدين بشكل عام) لديهم ميول دينية معينة أو بأن هناك رابط شبه ديني مشترك يجمعهم. في الحقيقة، الامر أسهل من هذا بكثير. دعني اشرح ذلك بشكل مُختصر.

فنحن جميعنا بشر وإنسانيتنا تجمعنا أولاً وقبل كل شيء منذ لحظة ولادتنا. ثم هناك انتماءات أخرى تجمعنا رغم اختلافاتنا الشاسعة. فنحن نعيش على كوكب معين، في مجموعة شمسية معينة وندور حول نجم معين. نتشارك في اللغة والعادات والتقاليد. نتقاسم الخبز القادم من ذات القمح المحصود في ذات الحقول ونشرب الحليب القادم من نفس البقرة. نميل ميول سياسية مختلفة، فبعضنا يساري والأخر يميني والآخر بين بين. نسعى للنجاح في الحياة ونفرح لفرح احبابنا ونكره ان يصيبنا او يصيب أحد حولنا أي سوء. وفي النهاية جميعنا سنموت. قد تجد بعض المُلحدين أو بعض المُتدينين يختلفون معي في الانتماءات أعلاه. وهذا شيء طبيعي وصحي أن نختلف مع بعض بعض الاحيان. بل هذا هو الطبيعي في الكون أن تختلف الأشياء والآراء والأفكار. لكن، حتى وأن اختلفنا فأن اختلافاتنا لا يجب أن تكون مصدراً لخلافاتنا. فمهما كان ما تؤمن بهِ فأن أحترم وأقدر رغبتك بالتمسك بما تؤمن بهِ، وانتظر منك ذات الشعور تجاهي. وأن نستطيع أن نعيش سوية في المجتمع كاصدقاء وجيران واقارب بل وفي عائلة واحدة، دون أن تكون اختلافاتنا الفكرية سبباً لاضطهاد واحداً منا.

ختاماً، الالحاد ليس ديناً كما أن الإقلاع عن التدخين ليس نوعاً من أنواع التدخين. والالحاد ليس طائفة من الطوائف كما هي الصحة أو غياب المرض هي ليست نوع من أنواع الامراض. والالحاد لا يمتلك طقوس أو شعائر أو تقاليد محددة، تماماً كما أن عدم ممارسة الرياضة ليس نوع من أنواع الرياضة.

بسام البغدادي

هل لديك رأي آخر؟ شاركني بهِ لطفاً